محمد بن جرير الطبري

480

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة قال محمد بن عيسى : فقال لهم : ويحكم ! انا اكره طاهرا ، وذلك انى رايت في منامي كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء ، عريض الأساس وثيق ، لم أر حائطا يشبهه في الطول والعرض والوثاقة ، وعلى سوادي ومنطقتي وسيفي وقلنسوتي وخفى ، وكان طاهر في أصل ذلك الحائط ، فما زال يضرب أصله حتى سقط الحائط وسقطت ، وندرت قلنسوتي من راسي ، وانا اتطير من طاهر ، واستوحش منه ، واكره الخروج اليه لذلك ، وهرثمة مولانا وبمنزله الوالد ، وانا به أشد أنسا وأشد ثقة وذكر عن محمد بن إسماعيل ، عن حفص بن ارميائيل ، ان محمدا لما أراد ان يعبر من الدار بالقرار إلى منزل كان في بستان موسى - وكان له جسر في ذلك الموضع - امر ان يفرش في ذلك المجلس ويطيب قال : فمكثت ليلتي انا وأعواني نتخذ الروائح والطيب ونكثب التفاح والرمان والأترج ، ونضعه في البيوت ، فسهرت ليلتي انا وأعواني ، ولما صليت الصبح دفعت إلى عجوز قطعه بخور من عنبر ، فيها مائه مثقال كالبطيخة ، وقلت لها : انى سهرت ونعست نعاسا شديدا ، ولا بد لي من نومه ، فإذا نظرت إلى أمير المؤمنين قد اقبل على الجسر ، فضعي هذا العنبر على الكانون وأعطيتها كانونا من فضه صغيرا عليه جمر ، وأمرتها ان تنفخ حتى تحرقها كلها ، ودخلت حراقه فنمت ، فما شعرت الا وبالعجوز قد جاءت فزعه حتى أيقظتني ، فقالت لي : قم يا حفص ، فقد وقعت في بلاء ، قلت : وما هو ؟ قالت : نظرت إلى رجل مقبل على الجسر منفرد ، شبيه الجسم بجسم أمير المؤمنين ، وبين يديه جماعه وخلفه جماعه ، فلم أشك انه هو ، فأحرقت العنبره ، فلما جاء ، فإذا هو عبد الله بن موسى ، وهذا أمير المؤمنين قد اقبل قال : فشتمتها وعنفتها قال : وأعطيتها أخرى مثل تلك لتحرقها بين يديه ، ففعلت ، وكان هذا من أوائل الادبار . وذكر علي بن يزيد ، قال : لما طال الحصار على محمد ، فارقه سليمان بن أبي جعفر وإبراهيم بن المهدى ومحمد بن عيسى بن نهيك ، ولحقوا جميعا